الصلاة.. هكذا أسافر بروحي إلى الله عز وجل

لِمَ لا تكون الصلاة كـحَدَث عظيم سيُحضر، يتلهَّفُ له الفِكر بأكمله، وتلمعُ العيون عندما يحينُ وقته.. بالأمس كان صوتُ الإمام يتغشَّاه الفُتُوح كان لديه فنٌّ فريدٌ في قراءة القرآن. دع عنك من يطعن بأهل الدين، تجاهل القلَّة المُنفِّرين واهرع إلى مَن يدعَك تتلذُّذ به، فوالله ما ذهبت لذته وما فنيتْ كنوزه وما اختفَى أهلُه الصادقون.

نعود للصلاة؛ قطراتُ الماء تلمع على الوجه واليديْن بعد وضوءٍ يُحيي الجسد برُّمَّته ويبعث بالروح نسيماً كتهيئة خفيفة للحدث العظيم؛ للصلاة. يبدأ الإمام بالتكبير ليتلاشى من فكرك كل دنيَّة وتتساقط الشوائب من خواطرك لتعلم أن الله أكبر من كل ذلك فتُستحضر روحك لمقام السماع؛ سماع خطاب الله بآياتٍ لا تُشبه أي حديث، بوصْفٍ لا يشبه أي وصْف، وبلاغة تُثير كلَّ ما فيك للإنصات، فتغدو مُنصتاً قلباً وجسداً وروحاً وفكراً.

في كل ركعة لن يبدأ الإمام بقراءة الآياتِ التي يُريد قبل قراءة سورة تُسمَّى “الفاتحة” فاتحةُ قلبِك للآيات القادمة، للركوع والسجود، فاتحةُ روحك لهذا الحدث العظيم.. هذه الفاتحة تُستفتَح بالحَمْد لمولاكَ الذي سيُنعم عليك بمعانٍ ما سبق أن استطاع صياغتها أيُّ بشر، ومن ثُمَّ بتذكيركَ بصفتَيْه الرحمن الرحيم الذي لن يتركك لشُتاتك رغم كل ما اقترفته، ومن ثُمَّ بتذكيرك بمُلْكه وعبوديَّتك له وحاجتك إلى الاستعانة به شئتَ أم أبيَت.. إلى طلب الهداية منه.

بعد أن تخرج من دهشة عظمةِ الآيات يعلمُ مولاكَ أنك تحتاج تسبيحه فتركع مُسبِّحاً “سبحان ربِّيَ العظيم!” وترتفع إلى الاعتدال من الركوع حامداً إياه أن أطْلَعَك على كل ذلك

رويترز

بعد هذه البداية وبعد ترسيخ هذه المعاني فيكَ مجدداً في بداية كل ركعة؛ يُرتِّل الإمام آياتٍ يختارها وهُنا ستشعُر كأنَّك ترى فيلماً مصوَّراً أمام عينيك، هُنا الآيات لا تُسمَع فحسب بل تُرى.. أتدري لماذا؟ لأنها من وَصْفِ خالق الحروف وخالق الأكوان.. سترى الأمواج حين توصَفْ، وتسمع نداء الاستغاثة حين يوصَفْ، ويقشعرَّ بدنك من العذاب حين يوصَف، ويسيل دمعك من اللُّطف والرحمة حين توصف.. ستعيش زمناً قديماً حدثتْ فيه قصَّةً لن يُفلح ألفُ فيلمٍ في جعلكَ تراها كما يفعلُ الوصفُ هنا.. سترى الأفق والسماوات والأرض، وتسمع أصوات الطيور والحيوانات، وترى الجبال الشاهقات، وتُذهل.. وأنت لم تزل واقفاً في مكانك داخل صلاتك.. هي رحلة عبر الزمن، ترى فيها الأقوام الأولى بصالحهم وفاسقهم، وترى فيها زمانك الحاليّ بكلِّ ما فيه، وحتى تستطيع أن ترى في هذه الرحلة أحداث ما قبل ولادتك، وحتى عندما كنتَ في عالم الذرّ.. بل وأحداث ما بعد وفاتك..

وبعد أن تخرج من دهشة عظمةِ الآيات يعلمُ مولاكَ أنك تحتاج تسبيحه فتركع مُسبِّحاً “سبحان ربِّيَ العظيم!” وترتفع إلى الاعتدال من الركوع حامداً إياه أن أطْلَعَك على كل ذلك، أن خلق في داخلة هذه اللذة لسماع آياته.. ومن ثمَّ تخرُّ ساجداً مُقرِّاً بضعفك أمام مُكوِّن كل هذه العَظَمَة، أمام من تُرجى رحمته ويُخشى عذابه.. فترمي كل ما تراكم في قلبكَ إليه، لأنك هنا في أقربِ موضعٍ إليه، وجبهتك على الأرض.. فيأذن لك هنا بعد أن سمعتَ كلامه في القيام يأذن لك بمخاطبته بكلامك البسيط بلهجتك المختلفة وبأيِّ لغةٍ تشاء.. ليُجيبك هو.

وهكذا تتكرَّر الركعات إلى حين التشهُّد الذي تحتاج فيه السفر الروحي إلى الروضة الشريفة فتقِفُ بأدبٍ على باب المقام النبويِّ الشريف؛ مقامِ الحبيب الأعظم الذي أرسله المولى إليك بكلِّ ما سمعتْ، والذي ما كُنتَ لتُرحَم بدون شفاعته فتقف قرب مقامه وتقول: “السلام عليك أيها النبي”.. فيحلَّ السلامُ جوارحكَ بأكملها بعد هذا الوصال. وتُكمل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وتُكرِّر العَهْد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.. وتُكمل الصلوات الطيبات.. وتُنهي هذا الحدث العظيم بالسلام، فتخرج منه بكيانٍ غير الذي دخلتَ فيه.. لِمَ لا تكون الصلاة كحدث عظيم يُحضَر؟ لِمَ؟

بشائر رزمة

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *